أبي طالب المكي

184

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

في كتابه فقال سبحانه وتعالى : * ( وفي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ ) * [ الذاريات : 19 ] . وقال تعالى : * ( فَكُلُوا مِنْها وأَطْعِمُوا الْقانِعَ والْمُعْتَرَّ ) * [ الحج : 36 ] . وقال عزّ وجلّ : * ( فَكُلُوا مِنْها وأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ ) * [ الحج : 28 ] . فأما السائل فهو الذي يسأل بكفه ويظهر السؤال بلسانه ، وأما المحروم فهو المحارف الذي حارفه الرزق أي انحرف عنه ، فقد حرمه . وقيل : هو الذي لا معلوم له ولا كسب ، قد حرم التصرف والتعيش . وأما القانع فهو الذي يقعد في بيته ويقنع بما آتاه الله من غير طلب ولا تعرض ، وقيل : إنّ القنوع هو وصف من أوصاف المسألة من غير إلحاف ولا إلحاح ، وهو اسم من الأضداد يكون القنوع العفّة والكف ويكون المسألة . وأما المعترّ فهو الذي يعرض بالسؤال ولا يصرح تحمله الحاجة على التعريض ، ويوقفه الحياء عن التصريح . وأما البائس فهو الذي به بؤس وشدة من مرض أو برد أو عضب وزمانة . ثم إنّ الله تعالى قد فضل بين الفقراء والمساكين فقال أهل العلم : الفقير الذي لا يسأل ، والمسكين السائل . وقيل : الفقير المحارف وهو المحروم ، والمسكين الذي به زمانة ، واشتقاقه من السكون ، أي فقد أسكنه الفقر لما سكنه وأقلّ حركته ، وهذه أوصاف . يقال : قد تمسكن الرجل وسكن . كما يقال : تمدرع وتدرّع إذا لبس مدرعة . فكذلك الفقير إذا كانت المسألة لبسة له . وأهل اللغة مختلفون فيهما . قال بعضهم : المسكين أسوأ حالا من الفقير لأن الله تعالى قال : * ( أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ) * [ البلد : 16 ] . فهو الذي لا شيء له ، قد لصق بالتراب من الجهد . وذهب إلى هذا القول يعقوب بن السكيت ومال إليه يونس بن حبيب . وقال : قلت مرة لأعرابي : أفقير أنت ؟ فقال : لا والله بل مسكين أسوأ حالا من الفقير . وبعضهم يؤوله على غير هذا فيقول : ذا متربة من الغني . يقال : أترب الرجل إذا استغنى فهو مترتب من المال ، أي قد كان متربا غنيا من أهل النعم ، ثم افتقر فهذا أفضل من أعطي . وقال بعض أهل اللغة في قوله تعالى : ذا متربة ، دليل أنّ المسكين أسوأ حالا . قال : إنّ الله تعالى لما نعته بهذا خاصة علمت أنه ليس كل مسكين بهذا النعت . ألا ترى أنك إذا قلت : اشتريت ثوبا ذا علم نعته بهذا النعت ، لأنه ليس كل ثوب له علم . فكذلك المسكين الأغلب عليه أن يكون له شيء . فلما كان هذا المسكين مخالفا لسائر المساكين بين الله تعالى نعته ، وبهذا المعنى استدل أهل العراق من الفقهاء أنّ اللمس هو الجماع بقوله تعالى : * ( فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ) * [ الأنعام : 7 ] . أنّ اللمس يكون بغير اليد وهو الجماع . فلما قال : بأيديهم خصّ به هذا المعنى فردّوه على من احتج به من علماء الحجاز في قولهم : اللمس باليد . وقال آخرون : بل الفقير أسوأ حالا من المسكين ، لأن المسكين ،